السيد كمال الحيدري
510
أصول التفسير والتأويل
وأمّا عن الاحتمال الثاني ؛ فلانّ صيانته عن القدح إن أُريد بها حفظه من قدح الكفّار والمعاندين ، فلا ريب في بطلان ذلك ، لأنّ قدح هؤلاء في القرآن ومحاولة إبطال قواعده وأحكامه فوق حدّ الإحصاء . وإن أُريد أنّ القرآن رصين المعاني ، قوىّ الاستدلال ، مستقيم الطريقة ، وأنّه لهذه الجهات ونحوها أرفع مقاماً من أن يصل إليه قدح القادحين وريب المرتابين ، فهو صحيح ، لكن ليس هذا من الحفظ بعد التنزيل كما تقوله الآية ، لأنّ القرآن بما له من الميزات حافظٌ لنفسه ، وليس محتاجاً إلى حافظ آخر ، وهو غير مفاد الآية الكريمة ؛ لأنّها تضمّنت حفظه بعد التنزيل . بتعبير آخر : مآل ما ذُكر إلى أنّ القرآن حافظ لنفسه بنفسه ؛ لاستحكام حقائقه ومتانة معانيه وعلوّ مقاصده ، والآية تدلّ على افتقاره إلى حافظٍ غيره وهو الله الذي أنزله ، فأين هذا من ذاك ؟ الإشكال الثاني : إنّ الذكر هو الرسول صلى الله عليه وآله ، فقد ورد استعمال الذكر فيه في قوله تعالى : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ ( الطلاق : 11 10 ) . فيكون مرجع الضمير في قوله « له » هو الرسول صلى الله عليه وآله ، والمعنى : وإنّا لمحمّد صلى الله عليه وآله لحافظون ، وهو قول الفراء ، وقوّى ابن الأنباري هذا القول « 1 » . إلّا أنّ هذا الاحتمال غير تامّ ؛ لأنّ المراد بالذكر هو القرآن في كلتا الآيتين ؛ بقرينة التعبير بالتنزيل والإنزال ، ولو كان المراد هو الرسول لكان المناسب أن يأتي بلفظ الإرسال أو ما يقاربه في المعنى . على أنّ هذا الاحتمال لو تمَّ في آية سورة الطلاق كما هو الظاهر منها ، فلا يتمّ في آية الحفظ لكونها مسبوقة بما يدلّ على أنّ المراد به هو الكتاب ، وهو قوله
--> ( 1 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، مصدر سابق : ج 19 ص 127 .